السيد عبد الأعلى السبزواري
26
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً . المراد من الفوز العظيم هو حطام الدنيا على طريق التهكم وتعظيم هذا الأمر منهم ، وجعل المصيبة الّتي أصابت المؤمنين نعمة يدلّ على ضعف إيمانهم . قوله تعالى : فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ . بعد ما بيّن خطأ سلوك المبطئين الّذين يريدون من عملية الإبطاء التخلّف عن القتال ، وذمّهم وشنّع عليهم بأبلغ أسلوب ، وأرشد المؤمنين إلى أنّ العقدة الحقيقة في تخلّفهم عن الطريق الصحيح هو الحرص على متاع الحياة الدنيا . يبيّن عزّ وجلّ في هذه الآية المباركة الحقيقة المطلوبة ، وهي أنّ المؤمنين يبيعون متاع الحياة الدنيا ليشتروا به النعيم الأبدي الحقيقي ، وفي الآية الكريمة الحثّ على الجهاد في سبيل اللّه تعالى ، بتذكيرهم أنّ المؤمنين قد شروا بالإيمان الحياة الدنيا بالآخرة ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ سورة التوبة ، الآية : 111 ] . وفي الآية الشريفة توجيه تربويّ متين ، فإنّ اللّه تعالى لما خاطب الجميع بما فيهم الضعفاء والأقوياء ، ثمّ وصف أفعال الضعفاء وتمنّياتهم وحكى أقوالهم ، دون أن يشير إلى أعيانهم ؛ لما في ذلك من أثر نفسي كبير - كما عرفت - ثمّ أهملهم في هذه الآيات ليرجعوا إلى أنفسهم فيشعروا بالإثم ويطهّروا نفوسهم من الذنب العظيم ، ذنب التبطّي عن القتال والقعود عنه ، ثمّ وجّه الخطاب إلى المؤمنين ووصفهم بصفات المسلم الحقيقي والمؤمن باللّه العظيم إيمانا حقيقيّا ، وهي القتال في سبيل اللّه وبيع الحياة الدنيا بالآخرة . وهذا التحوّل في الخطاب من أهمّ السبل التربويّة ؛ لتحوّل المذنب عن موقفه إلى الموقف المطلوب . قوله تعالى : وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ . حثّ على الجهاد في سبيل اللّه تعالى ، وبيان للغرض من القتال في الإسلام ،